روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

338

عرائس البيان في حقائق القرآن

لا يطلعون ولا يعرفون مني إلى الأبد ، وهذا معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » « 1 » . قال عبد العزيز المكي : لهم في الجنة ما يحقق أمانيهم من النعيم ، ثم نزيدهم من عندنا ما لا تبلغه الأماني ، وهو الرؤية ، وذلك أجلّ وأعلا . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 37 إلى 44 ] إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ ( 38 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ( 39 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ ( 40 ) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 41 ) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ( 42 ) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ( 43 ) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ( 44 ) قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ : أثبت اللّه سبحانه رؤية أنوار حكمته الأزلية وسناء الكبرياء والعظمة وظهور قهر الجبارية لمن له قلب ، وله إلقاء السمع ، وله شهود السرّ ، والقلب عبارة عن نقطة دائرة الفطرة القدسية التي خلقها اللّه من نور فعله الخاص ، وهو يتجلى لها من نور صفته ونور ذاته ، وهناك لطيفة كبرى ، وهي سر النقطة ، حولها دائرة العقل ، وراء الدائرة حواشي فعله ، ألقي تحتها ستر الصفات ، ثم تحت ذلك الستر ظهور الذات لها ، فهو بذاته وصفاته حافظ فعله الخاص ، أليس ستر الفعل العام على غاشيتها ، وحولها عالم الملك والشهادة ، وباطنها كشف الصمدية وجلال الأزلية ، وبينها وبين الحق لم يبق حجاب امتناع قدمه عن إحاطتها ، وذلك الكشف والعيان من بدو وجودها إلى أبد الأبد لا ينقطع ؛ لذلك قال الشبلي : وقتي مسرمد ، وتجري بلا شاطئ ، سقط عنها أضداد التجلي ؛ إذ لم يبق بين الحق وبينها جريان الحوادث ، ولتلك اللطيفة عيون وأسماع ؛ إذ كل وجودها سمع وبصر ، فجميع سمعها وبصرها مشغول بخطاب اللّه ورؤيته ، فألقت سمعها لأصوات وصلة الأزلية ، شهدت أبصارها بمشاهدة القديم ، ثم نورث الهيكل بالحضور والخدمة ، وطلب مزيد الصفاء والقرابة ، وجعلتها مركب سيرانها وطيرانها إلى عالم الملكوت ، ورأت من روزنة البصر ما رأت بلا واسطة ، وسمعت بسمع الظاهر ما سمعت بلا وسيلة ، فإذا رأى صاحب هذا القلب شيئا من عجائب صنعه صار خاضعا لعظمته ، خاشعا

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1185 ) ، ومسلم ( 4 / 2174 ) .